أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

216

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

معنى اسم الإشارة أي : أشير إليها حال كونها متداولة . ويجوز أن تكون « الْأَيَّامُ » بدلا أو عطف بيان أو نعتا لاسم الإشارة ، والخبر هو الجملة من قوله : « نُداوِلُها » ، وقد مرّ نحوه في قوله : تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها « 1 » إلّا أنّ هناك لا يجيء القول بالنعت لما عرفت أنّ اسم الإشارة لا ينعت إلا بذي أل . و « بَيْنَ » متعلق ب « نُداوِلُها » . وجوّز أبو البقاء أن يكون حالا من مفعول « نُداوِلُها » وليس بشيء . والمداولة : المناوبة على الشيء والمعاودة وتعهّده مرة بعد أخرى . يقال داولت بينهم الشيء فتداولوه ، كأن « فاعل » بمعنى « فعل » . قال الشاعر : 1448 - يرد المياه فلا يزال مداولا * في النّاس بين تمثّل وسماع « 2 » وأدال فلان فلانا جعل له دولة ، ويقال : دولة ودولة بضمّ الفاء وفتحها ، وقد قرىء بهما في سورة الحشر « 3 » كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى . واختلف الناس : هل اللفظتان بمعنى أم بينهما فرق ؟ فذهب بعضهم كالراغب وغيره إلى أنهما سيّان ، فيكون في المصدر لغتان . وقال غير هؤلاء : « بينهما فرق » واختلفت أقوال هؤلاء فقال بعضهم : « الدّولة » بالفتح في الحرب والجاه ، وبالضمّ في المال ، وهذا تردّه القراءتان في سورة الحشر . وقيل : بالضمّ اسم الشيء المتداول ، وبالفتح نفس المصدر وهذا قريب . وقيل : الدّولة بالضم هي المصدر ، وبالفتح الفعلة الواحدة فلذلك يقال « في دولة فلان » لأنها مرة في الدهر . والدّور أعمّ من الدّول ، لأن الدّول باللام لا يكون إلا في الحظوظ الدنيوية . والدّولول : الداهية ، والجمع : دأليل . قوله : وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ ذكر أبو بكر بن الأنباري في تعلّق هذه اللام وجهين ، قال : « أحدهما : أنّ اللام صلة لفعل مضمر يدلّ عليه أول الكلام بتقدير : وليعلم اللّه الذين آمنوا نداولها . والثاني : أنّ العامل فيه « نُداوِلُها » المذكور بتقدير : نداولها بين الناس لنظهر أمرهم ولنبيّن أعمالهم ، وليعلم اللّه الذين آمنوا ، فلّما ظهر معنى اللام المضمرة في « ليظهر » و « ليبيّن » جرت مجرى الظاهرة فجاز العطف عليها . وجوّز أبو البقاء وجها وهو أن تكون الواو زائدة ، وعلى هذا فاللام متعلقة ب « نُداوِلُها » من غير تقدير شيء . ولكنّ هذا لا حاجة إليه ، ولم يحتج إلى زيادة الواو إلا الأخفش في مواضع ليس هذا منها ، وبعض الكوفيين يوافقه على ذلك . وقدّره الزمخشري ب « فعلنا ذلك ليكون كيت وكيت وليعلم » ، فقدّر عاملا وعلّق به علة محذوفة عطف عليها هذه العلة . قال الشيخ « 4 » : « ولم يعيّن فاعل العلة المحذوفة ، إنما كنى عنه بكيت وكيت ، ولا يكنى عن الشيء حتى يعرف ، ففي هذا الوجه حذف العلة وحذف عاملها وإبهام فاعلها فالوجه الأول أظهر إذ ليس فيه غير حذف العامل » يعني بالوجه الأول أنّه قدّره : « وليعلم اللّه فعلنا ذلك » وهو المداولة أو نيل الكفار منكم . والعلم هنا يجوز أن يتعدّى لواحد قالوا : لأنه بمعنى عرف ، وهو مشكل لأنه لا يجوز وصف اللّه تعالى بذلك لما تقدّم من أن المعرفة تستدعي جهلا بالشيء ، أو أنها متعلقة بالذوات دون الأحوال ، ويجوز أن يكون متعديا لاثنين ،

--> ( 1 ) سورة آل عمران ، آية ( 108 ) . ( 2 ) انظر البيت في شواهد الكشاف 4 / 39 . ( 3 ) انظر آية رقم ( 7 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط 3 / 63 .